الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

352

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وفي قوله : - صلى اللّه عليه وسلم - « يخوف اللّه بها عباده » رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادى لا يتأخر ولا يتقدم ، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف . وقد رد عليهم ابن العربي وغيره ، بما في حديث أبي موسى عند البخاري ، حيث قال فيه : « فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة » قالوا : فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع ، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة معنى ، يعنى كما في حديث أسماء عند البخاري « لقد أمر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بالعتاقة في كسوف الشمس » « 1 » وكما عنده أيضا من حديث عائشة مرفوعا : « فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللّه وكبروا وصلوا وتصدقوا » « 2 » فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف ، وأن كلما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يندفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف . ومما نقض به ابن العربي وغيره أنهم يزعمون : أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين . فقال : « هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله ؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه ؟ وكيف تحجب الأرض نور الشمس . وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة ، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة ، وصححه ابن خزيمة والحاكم ، بلفظ : « إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكنهما آيتان من آيات اللّه ، وإن اللّه إذا تجلى بشيء من خلقه خشع له » « 3 » .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1054 ) في الجمعة ، باب : من أحب العتاقة في كسوف الشمس ، من حديث أسماء - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1044 ) في الجمعة ، باب : الصدقة في الكسوف . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1063 ) في الجمعة ، باب : الصلاة في كسوف القمر ، من حديث أبي بكرة - رضى اللّه عنه - ، ومسلم ( 901 ) في الكسوف ، باب : صلاة الكسوف ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - ، وليس فيها وأن اللّه إذا تجلى لشئ من خلقه خشع له .